مملكة تمتلك خطة للمعرفة

التحول نحو اقتصاد المعرفة في المملكة العربية السعودية أمر ضروري يحمل في طياته الكثير من الوعود.

قراءة

N/A

حققت الخطة الخمسية الأولى للتنمية في المملكة العربية السعودية، والصادرة في عام 1970،عددًا من التوقعات والتعهدات، إذ ورد فيها: "النمو الاقتصادي خلال العقود القادمة سيعتمد بشكل رئيسي على إنتاج النفط وعائداته. وهو ما تهدف خطة التنمية إلى تغييره تدريجياً عن طريق تنويع اقتصاد المملكة وصادراتها، وكذا مصادر الدخل الحكومي". وتَجسَّد هذا التوقع -بعد أن أسهم في ذلك الارتفاع المفاجئ في أسعار النفط- في أعقاب حرب عام 1973. ولكن التعهد بتنويع الاقتصاد لتقليل الاعتماد على أسواق النفط المتقلبة، شكل تحديًا أكبر.

ولم يكن ذلك نتيجة لنقص المحاولات. فقد ظلت المملكة عبر سلسلة من الخطط المتتالية متمسكة بتحقيق هدف التنويع كسياسة رسمية لها، وبدا هذا جليًا في الخطة العاشرة التي تغطي المدة من عام 2015 وحتى عام 2019. توفر الخطة الحالية فهمًا أعمق لكيفية تحقيق الهدف المنشود. وفي التقرير بعنوان "التقرير: المملكة العربية السعودية 2015"، والذي أعدته مجموعة أوكسفورد للأعمال، وهي شركة عالمية للنشر والأبحاث والاستشارات، يقول مسؤول سعودي رفيع المستوى: "السنوات الخمس الأُوَل من خطة التنمية العاشرة ستشهد بداية مرحلة تحول الاقتصاد السعودي إلى اقتصاد قائم على المعرفة، والتي ستستغرق 15 عاماً".

ويشمل مصطلح "اقتصاد المعرفة" مفهومًا واسعًا، يشير إلى السلع والخدمات التي تستمد قيمتها من محتواها المعرفي بشكل أساسي. وفي المملكة العربية السعودية، يعني التحول إلى اقتصاد قائم على المعرفة إنشاء قطاعات اقتصادية تعتمد على الابتكار في مختبرات العلوم وحاضنات التكنولوجيا، وليس بيع مشتقات الهيدروكربون. وتتضمن المجالات التي شرعت المملكة في الاستثمار فيها مجالات الطاقة البديلة وأبحاث الطب الحيوي.

يُعَد التحول إلى اقتصاد المعرفة في المملكة ضرورة وفرصة في الوقت نفسه. ورغم أن النفط الخام مكَّن البلاد من إنشاء بنية تحتية تتسم بالحداثة في جميع أرجائها، ودعم تنفيذ برامج توسعية للرفاه الاجتماعي على مدى العقود الخمسة السابقة، فقد تسبب الاعتماد عليه -لكونه المصدر الرئيسي للدخل في المملكة- في حدوث حالة من عدم الاستقرار المالي، كما حدث في أوائل الثمانينيات وأواخر التسعينيات عندما هبطت أسعار النفط.

وفي الوقت نفسه، أدت الأدلة العلمية المتزايدة التي تربط بين حرق الوقود الأحفوري والتغيُّرات طويلة الأمد في الغلاف الجوي إلى حدوث ردود فعل قوية في دوائر صنع القرار.ففي منتصف أكتوبر عام 2015، وُقع اتفاق دولي في مدينة كيجالي في رواندا للحد من استخدام المركبات الكربونية الفلورية الهيدروجينية أو (الهيدروفلوروكربونية)، التي تُعَد إحدى الكيماويات المساهمة إلى حد كبير في التغير المناخي. وصف وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الاتفاق بأنه "خطوة مهمة إلى الأمام" على طريق الجهود الرامية إلى إبطاء الاتجاهات المناخية المقلقة.

بيد أن دول الخليج ، إلى جانب الهند، تفاوضت للحصول على إعفاء لمدة تسع سنوات من تنفيذ اتفاق كيجالي؛ليبدأ التنفيذ في عام 2028 بدلًا من 2019.

وقد جاء اتفاق كيجالي بعد وقت قصير من اتفاقية باريس في أواخر عام 2015، التي اتفقت فيها 195 دولة على الالتزام قانونياً بالحد من انبعاثات الغازات الدفيئة. وصدقت على الاتفاقية أكبر دولتين مسببتين للانبعاثات، الولايات المتحدة والصين.

أما في الدوائر الصناعية، فقدحدث تطوران خلال العقد الماضي، أحدهما جاء استجابة لمخاوف المناخ، وكلاهما أثر تأثيراً سلبيّاًعلى العرض والطلب في سوق النفط.

فمن ناحية، شهدنا ظهور وسائل جديدة لاستخراج النفط الخام من باطن الأرض. فعلى سبيل المثال، هناك تقدم في استخراج النفط من الصخور الزيتية عن طريق عملية "التكسير الهيدروليكي" (الشهيرةبالتكسير)، والتي أدت إلى وفرة في إنتاج النفط في عام 2015 مما ساهم في مزيد من الهبوط في سعره.

ومن ناحية أخرى، أدت مخاوف المناخ إلى زيادة الاستثمار والابتكارلإيجاد بدائل للطاقة والأجهزة الأكثر صداقة للبيئة، مثل الألواح الشمسية وبطاريات الليثيوم أيون المتطورة والسيارات الكهربائية.

فقد غيرت هذه العوامل مجتمعة الاتجاه في العديد من البلادالغنية بالنفط. ولم يعد هناك مجال لطرح السؤال المعتادحول طولالمدةالتي يستطيع احتياطي النفطفيها دعمبقاء الحكومات والمجتمعات في المستقبل، بل أصبح السؤال اليوم: ما مدى السرعة التي تستطيع بها الدول الغنية بالنفط تطوير مصادر بديلة مستدامة ذات قيمة اقتصادية؟

وبِرِهان المملكة العربية السعودية على اقتصاد المعرفة ليصيرمحركاً جديدًا للنشاط الاقتصادي، فإنها تختارنموذجًا ثَبَتت صلاحيته. يقول عبدالعالي الحوضي -رئيس قسم التخطيط الاستراتيجي وتطوير الأعمال في مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية-: إن البلدان الكبيرة والصغيرة التي خصصت موارد كبيرة للبحث والتطوير، كالولايات المتحدة وسنغافورة، حصدت المزايا بالابتكارات الناجحة تجاريًا والوظائف ذات الرواتب العالية.

واتخذت المملكة العربية السعودية بالفعل عدة خطوات في السعي لتحقيق هذا الهدف الطموح. فعلى مدى العقد الماضي، سرَّعت الحكومة من جهودها لتحديث المؤسسات العلمية ومؤسسات التعليم العالي وإعادة تنشيطها. فقد أعلنت الحكومة في عام 2002 عن خطتها الوطنية للعلوم والتكنولوجيا والابتكار التي دخلت حيز التنفيذ في عام 2008 بموازنة تقدر بحوالي 8.1 مليارات ريال سعودي حتى عام 2010 (ما يعادل 2.16 مليار دولار أمريكي).

كما شهد العقد الماضي زيادة ملحوظة في أعداد الجامعات الحكومية والخاصة، إذ زادت من عشرين جامعة في عام 2005 إلى أربع وثلاثين جامعة في عام 2012 تتضمن ثلاث جامعات حديثة للنساء فقط. أما الطلاب السعوديون المتميزون فلديهم الآن ثلاثة برامج مدفوعة النفقات بالكامل لمتابعة الدراسات الجامعية والدراسات العليا في الخارج؛ وهي برنامج منحة الملك عبد الله الذي بدأ منذ عام 2005، والبرنامج التابع لشركة أرامكو السعودية، وبرنامج جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية الذي بدأ منذ عام 2008.

وانعكست تلك الجهود على تحسين أداء المملكة في مختلف مجالات العلوم والابتكار. فعلى سبيل المثال، ارتفعت أعداد المنشورات العلمية التي أصدرتها المملكة من 1686 في عام 2008 إلى 7000 في عام 2012، وذلك وفقًا لتقرير عام 2014، في إشارة إلى التقدم الذي أحرزته المملكة على صعيد مؤشرات اقتصاد المعرفة. كما صنف البنك الدولي المملكة العربية السعودية في عام 2013 في المركز الرابع في العالم العربي من حيث تقدم المؤشر المركب لـ"اقتصاد المعرفة" (متضمنًا التعليم، والابتكار، والحوافز الاقتصادية للعلوم والابتكار، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات). أيضًا في عام 2013، احتلت المملكة المركز الأول عربيًا (المركز 29 عالمياً) في أعداد براءات الاختراع الأمريكية التي تلقتها، والتي يأتي نحو ربعها من شركة أرامكو السعودية.

ومع ذلك، يصاحب تلك النجاحات نصيب عادل من التحديات. يقول الحوضي إن البنية التحتية والبيئة التنظيمية تحتاج إلى التطوير. وبالرغم من أن المملكة لديها بعض المؤسسات القوية والأفراد المتمكنين في مجال أبحاث الطب الحيوي، وهو نفس مجال تخصصه، فهم يقصرون أنشطتهم على التسويق والتوزيع في المملكة ويجرون الأبحاث والتطوير في أماكن أخرى. يشكل ذلك تحديًا آخر لإقناع الأفراد والمجموعات في المجتمع العلمي بأن المملكة العربية السعودية تُعد أحد أفضل الأماكن للقيام بالابتكارات المنتجة للعلم.

وفي الوقت نفسه، تحتل المملكة مكانة متميزة بسبب عائداتها النفطية. يحتاج كل من البحث العلمي والابتكار إلى الكثير من الأموال. يقول ستيفن ويبر -من جامعة كاليفورنيا في بيركيلي-: إن التكاليف المطلوبة لإنشاء بنية تحتية للبحث العلمي تمثل عائقاً لا يتجاوزه كل الطامحين إلى اقتصاد المعرفة. عمِل ويبر، أستاذ العلوم السياسية،مستشاراً لعدة حكومات في دول الخليج -بما فيها السعودية وقطر-في مشروعات الابتكار والتطوير.ويُعَد الأداء الخلاق ذائع الصيت لجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية أبرز مثال متحقق الآن على أرض الواقع للميزةالتي تنعم بها المملكة،إذستصير الجامعة في فترة وجيزة قوة علمية إقليمية.

ومع ذلك، فإن المطلوب هوتوجيه الطاقة الناتجة عن هذه الفورة في الجهود والمبادرات لتصب في اتجاه واحد. ويمكن التحقق من أن هذه الجهود تؤتي ثمارها عن طريق أحد المؤشرات القوية الدالة على ذلك، وهو انخفاض الاعتماد على عائدات النفط خلال السنوات المقبلة؛ وهو الهدف الذي تطمح إليه الخطة في الأصل.

References

أقرأ أيضا

ثورة في مجال الأبحاث السريرية في المملكة العربية السعودية

يناقش أحمد العسكر، المدير التنفيذي لمركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية، مسألة استلام مركزه زمام المبادرة لتطوير التجارب السريرية في المملكة.

الحركة الاهتزازية لنومٍ أفضل

 كشفت دراسة أن الحركة الاهتزازية الخفيفة التي تساعد الأطفال على النوم تحقِّق النتيجة نفسها مع الراشدين، فضلًا عن أنها تحافظ على قوة الذاكرة.

شراكات ذكية

بينما ترنو مبادراتٌ عديدةٌ في المملكة للضخامة والتوسع، تركز مدينةٌ جديدةٌ للتكنولوجيا الحيوية في الرياض طاقتَها في حدود أضيق، أملا في أثر أعمق.