مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية يلعب دوراً محوريا في السعي من أجل تطوير لقاح فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية

يرى العلماء أن أبحاث هذا المركز الطبي بشأن اللقاح أحادي الجرعة لفيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS-CoV) المميت واعدة، لكن هناك حاجة إلى مزيد من التقييمات والتجارب.

قراءة

إن البحث عن لقاح يمكنه كبح خطر «متلازمة الشرق الأوسط التنفسية» (MERS) ومنع انتشار الفيروس المسبب لها من المساعي المهمة للأبحاث السريرية التي يبذلها مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية (كيمارك). وجرى التوصل مؤخرًا إلى لقاح جديد واعد بدرجة كبيرة، طوَّره المركز، ونجح في اختباره على الإبل. ويجري الآن اختبار هذا اللقاح الجديد المسمى ChAdOX1 على البشر، إذ بدأت المرحلة الأولى من التجارب السريرية له في المملكة العربية السعودية.

ظهرت أولى الإصابات بفيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية في المملكة، وتفيد التقارير أن المملكة شهدت أسوأ حالات تفشي الفيروس. فوفقًا للأرقام الصادرة عن منظمة الصحة العالمية في شهر سبتمبر من عام 2019، وصل عدد حالات الوفاة المرتبطة بالإصابة بالفيروس إلى 851 حالة على مستوى العالم، منها 773 في المملكة وحدها. ووصل عدد حالات العدوى بالفيروس حتى الآن إلى 2468 حالة إصابة في جميع أنحاء العالم، منها 2077 حالة في المملكة.

المرض ناجم عن نوع جديد من فيروس كورونا، اكتُشف للمرة الأولى لدى مريض مصاب بالتهاب رئوي في المملكة عام 2012، تُوفي بعد فترة قصيرة، وتنوعت أعراضه ما بين الحمى والسعال وضيق التنفس إلى الإسهال، وغيرها من أعراض الجهاز الهضمي. وفيروس كورونا مرض مستوطن في الإبل العربية، والتي قد تكون المضيف الحيواني الوسيط الوحيد للفيروس، على الرغم من اعتقاد العلماء أن الخفافيش ربما تكون مضيفًا محتملًا له.

ومنحت المملكة الأولوية للأبحاث بشأن مسببات الإصابة بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، وطرق العدوى بها، والعلاجات المحتملة لها خلال السنوات القليلة الماضية. كما كثَّف مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية حملته البحثية بعد تفشي العدوى بالمتلازمة في أحد المستشفيات في عام 2015، وأسس علاقات تعاون على الصعيدين الوطني والدولي، بما في ذلك برنامج تعاوني مع جامعة أكسفورد. وعن ذلك، قال أحمد العسكر، المدير التنفيذي للمركز: "حدوث الوباء في المستشفى دفع المركز إلى منْح أولوية لأبحاث فيروس كورونا، وجعلِها من المشاريع الاستراتيجية".

أما ماجد الغريبي، رئيس قسم أبحاث الأمراض المعدية في المركز فقال: "أدَّت أزمة فيروس كورونا إلى وضع استراتيجية صارمة لتعزيز البحث والتطوير لتقليل الأعباء الصحية والاقتصادية لهذا المسبب المرضي الناشئ. وأفضل طريقة لمنع انتشار الفيروس والسيطرة عليه هي تطوير لقاحات للإبل والبشر".

طرح لقاح ChAdOX1

حتى الآن، لا توجد مضادات للفيروسات أو لقاحات أثبتت جدواها في علاج المتلازمة أو الوقاية منها، ولم يُرخص أي من اللقاحات المقترحة للاستخدام ضد الفيروس المسبب لها. ووفقًا لعبد العالي حوضي، رئيس قسم الاستراتيجيات وتطوير الأعمال في مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية، يوجد نحو 40 لقاحًا مرشّحًا لعلاج الفيروس في جميع أنحاء العالم، ُطوِّرت أربعة منها في المملكة. 

وكان من بين أقوى اللقاحات المتنافسة لقاح قائم على سلالة أنقرة الفيروسية المعدَّلة MVA، الذي اختُبر على مجموعة من الإبل المصابة بالعدوى. ويتطلب إعطاء جرعتين منه لتقليل الحِمل الفيروسي وتوفير وقاية جزئية. وثمة دراسة مشتركة يجريها عالم الأبحاث المشارك وأخصائي الفيروسات في كيمارك، نايف الحربي، وجامعة أوكسفورد ووزارة الزراعة، تقترح لقاحًا أحادي الجرعة يستند إلى ناقل فيروسي غُدّي يصيب قردة الشمبانزي معروف باسم ChAdOX1.

وقال واضعو الدراسة إن: "التطعيم الناجح للإبل من شأنه أن يضعف دورة حياة الفيروس في هذا المضيف، ومن ثمَّ يُقلل من احتمالية تعرّض البشر للإصابة به. بالإضافة إلى ذلك، فإن تطوير لقاح للبشر وتطعيم المعرضين لخطر الإصابة منهم، مثل القائمين على تربية الإبل والعاملين في مجال الرعاية الصحية، سيؤدي إلى زيادة السيطرة على عدد الإصابات البشرية".

واختُبر اللقاح القائم على الناقل الفيروسي ChAdOX1 بداية على الفئران، وأسفر عن نتائج مشجعة، ثم اختُبر على الإبل العربية إيجابية المصل.

حفَّز اللقاح الجديد استجابة مناعية قوية وثبت أنه فعّال وآمن، وفقًا لدراسة نُشرت في دورية «ساينتفيك ريبورتس» Scientific Reports1. كما نجح أيضًا في تقليل تنسُّخ الفيروس لدى الإبل، وفقًا لما قاله الحربي، الذي يصف نتائج البحث بأنها "رائعة". إضافة إلى ذلك، يستطيع اللقاح وقاية الإبل والبشر على حد سواء، وهي نقطة تحوّل كبيرة لأخصائيي الفيروسات والعلماء الذين يستميتون في تطوير لقاح فعَّال ضد متلازمة الشرق الأوسط التنفسية.

يُذكر أن دراسة الحربي وفريقه هي الأولى من نوعها التي تُقيّم لقاحًا لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية على الإبل العربية في البلدان التي يستوطنها المرض. وأضاف الحربي: "هي أُولى الدراسات التي تستخدم الإبل المصابة بالعدوى طبيعيًا لتقييم فاعلية اللقاح".

ووفقًا للعلماء المعنيين، قطعت هذه الدراسة شوطًا كبيرًا في ثلاث سنوات فقط، وهي فترة وجيزة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الأبحاث في مجال الأمراض المعدية يمكن أن تستغرق عقودًا لتحقيق النتائج.

أول تجربة سريرية من المرحلة الأولى في المملكة 

بالتعاون مع علماء جامعة أكسفورد، يعمل الحربي حاليًا على إجراء تجربة سريرية من المرحلة الأولى على البشر لاختبار اللقاح الأحادي الجرعة. وهي التجربة الأولى من نوعها في المملكة، وبدأت بالفعل في أكسفورد، ومن المقرر أن تبدأ في المملكة قريبًا. وقد وُضع النظام الأساسي للتجربة، ومنحت «الهيئة العامة للغذاء والدواء في المملكة العربية السعودية» (SFDA) الضوء الأخضر للبدء وفقًا لما ذكره العسكر، ووصلوا الآن إلى مرحلة تعيين المشاركين في الدراسة . ووفقًا لما أشار إليه الحربي وأقرانه، سيكون هذا أول لقاح يُطوَّر ويُختبر على البشر في المملكة أو في بلد يستوطنه المرض.

وقال الحربي: "نتوقع أن نرى نتائج التجربة في عام 2020".

وأكد أن العلماء سيُجرون أيضًا دراسة أخرى صغيرة النطاق لتحسين جرعة اللقاح وطريقة إعطائها. وأضاف: "ما زالت هناك فرصة لتحسين الجرعة المُفردة لتحقيق استجابات مناعية أقوى لدى الإبل".

وأشار كل من العسكر والحربي إلى أن مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية يخطط لتوسيع نطاق تجارب اللقاح، لتشمل عددًا أكبر من الإبل، ويعملان الآن على تطوير أفضل بروتوكول لذلك. وأضاف العسكر: "نحتاج أيضًا إلى الانتظار فترة أطول لنرى مدة دوام المناعة لدى هذه الإبل".

وعن الصعوبات، يقول الحربي، بصرف النظر عن التحدي اللوجيستي المتمثل في أخذ العينات من 40 جملًا يوميًا وإيجاد الطريقة المثلى لإعطائها اللقاح، فإن آليات انتقال الفيروس بين المضيفين ونقطة تحوله غامضة إلى حد كبير، ويتسبب ذلك في عدم دراية العلماء بأي شيء بشأن مخاطر العدوى وطُرُقها.

ووفقًا للحربي أيضًا، فإن استخدام اللقاح وطرحه في السوق، بعد التجارب الناجحة، قد لا يخلو من الإشكاليات، وهو ما يُصعِّب بدء عملية التطعيم الضرورية.

وتابع: "إجراء هذه الدراسات ليس سهلًا، لذا يجب أن نتحلّى بفطنة شديدة عند تصميم التجربة التالية". وأضاف: "لا توجد خطوات تنظيمية محددة للموافقة على لقاح للإبل، لا على المستوى الدولي ولا في المملكة، لذلك سنحاول الضغط لأجل وضع لوائح للسيطرة على عمليات تطعيم الحيوانات".

وأوضح الحربي أنه على الرغم من إمكانية انتقال متلازمة الشرق الأوسط التنفسية إلى أي شخص في أي مكان في العالم -وهو ما قد يؤدي إلى تفشي الإصابة - فإن المناطق الموبوءة تقتصر على عدد قليل من البلدان، وهذا لا يشكّل عادةً حافزًا قويًا في الأسواق لإجراء أبحاث على اللقاحات وتطويرها. مع ذلك فإن الأبحاث الواعدة يمكن أن تكون محركًا أقوى يدعو لمشاركة قطاع الأدوية الحيوية.

وأعرب محمد بوسعيد، الباحث الرئيسي في المرحلة الأولى من التجربة السريرية في مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية، عن قلقه من أن البلدان الموبوءة ما زالت في حاجة إلى الاستعداد لأسوأ السيناريوهات المحتملة. وتابع: "عندما تواجه حالة تَفشّ للإصابة، يجب أن يكون لديك لقاح جاهز للاستخدام".

ومع ذلك، يأمل الحربي في أن تشهد البلاد اجتياز لقاح واحد أو لقاحين على الأقل للمرحلة الثانية من التجارب السريرية خلال الأعوام الخمس المقبلة.

أخيرًا  أوضح أنه بمجرد اعتماد اللقاح للاستخدام البيطري، فإن سلطات الصحة العامة في البلدان التي يستوطنها المرض ستحتاج إلى إقناع القائمين على تربية الإبل بتحصين حيواناتهم التي لم تظهر عليها الأعراض، رغم كونها مضيفة للمرض .

References

  1.  Alharbi, N.K., Qasim, I., Almasoud, A. et al. Humoral Immunogenicity and Efficacy of a Single Dose of ChAdOx1 MERS Vaccine Candidate in Dromedary Camels. Sci Rep9, 16292 (2019) | article
  2. Alharbi, N. K., Padron-Regalado, E., Thompson, C. P., Kupke, A., Wells, D., Sloan, M. A. et al. ChAdOx1 and MVA based vaccine candidates against MERS-CoV elicit neutralising antibodies and cellular immune responses in mice. Vaccine35(30):3780-3788 (2017) | article 
  3. Modjarrad, K., Roberts C.C., et al. Safety and immunogenicity of an anti-Middle East respiratory syndrome coronavirus DNA vaccine: a phase 1, open-label, single-arm, dose-escalation trial. The Lancet Infectious Diseases19 (9): 1013-1022 (2019) | article

أقرأ أيضا

رسائل متضاربة حول التأثيرات الأوسع للقاحات

قد تُحدِث اللقاحات المضادة للدرن، والدفتيريا، والتيتانوس، والسعال الديكي، والحصبة آثارًا على جوانب أخرى من الصحة.

عندما يغيب مرضى الكبد عن المتابعة الطبيّة

عادةً لا يعود المرضى المصابون بالتهاب الكبد الفيروسي لتلقّي علاج مرحلة المتابعة، ما يبرر الحاجة إلى استراتيجيّات دعمٍ أكثر قوة.