التشبُّث بالحقائق في زمن الجائحة

في خضم هذا السيل الهائل من الأخبار والنصائح والعلوم الزائفة التي تنهال علينا بوصفها حقائق، حان الوقت لكشف زيف بعض المعلومات المتعلقة بجائحة «كوفيد-19».

قراءة

NIAID

من الصعب معالجة هذا الفيض الهائل من المعلومات عن فيروس كورونا الجديد «سارس-كوف-2»، المُتسبِّب في جائحة «كوفيد-19». فلا يزال العلماء والأطباء السريريون وخبراء الصحة العامة يكافحون من أجل السيطرة على هذا العامل المُمْرِض، الذي كان مجهولًا تمامًا قبل ستة أشهر فقط. وفي أجواءٍ كهذه، من الممكن أن تنتشر الخرافات والمفاهيم الخاطئة سريعًا، لكن هناك بعض المعلومات التي من شأنها مساعدة الأفراد على حماية أنفسهم وأحبّائهم بطريقة أفضل.

لا نزال في حاجة إلى فهم جوانب مختلفة عن فيروس «سارس-كوف-2»، الذي خلصت الأبحاث1 إلى أنه يمكث في الهواء مدة تصل إلى ثلاث ساعات في بيئة المستشفيات تحديدًا، لأن تركيب أنابيب التنفس لمرضى «كوفيد-19» يؤدي إلى انتشار الفيروس بشراسة أكبر، وبقائه أكثر بالهواء. ومع ذلك، لا يستطيع  العلماء إلى الآن الجزم بما إذا كان ينتقل عبر الهواء، أم لا. ولا يزال واضعو السياسات يحاولون البتَّ في مسألة ما إذا كان ينبغي أن يُنصَح الجميع باستخدام الأقنعة، أم لا. غير أن بعض الحقائق المتعلقة بهذا الفيروس التنفسي الذي أصاب قُرابة 3 ملايين شخص حول العالم، وطيدة الأساس.

خرافة: المُسنّون وحدهم في حاجة إلى أن يقلقوا بشأن «كوفيد-19»

كبار السن هم الأكثر عرضة لخطر الإصابة بمرض شديد، أو الوفاة بسبب عدوى فيروس كورونا الجديد. فقد توصلت إحدى الدراسات الحديثة2 في إيطاليا إلى أن متوسط عمر المرضى الذين أودعوا وحدات العناية المُركزة كان 63 عامًا، وكانت معدلات الوفاة بين المرضى الذين تزيد أعمارهم على 63 عامًا أعلى من الضعف. بيد أن بعض المرضى الذين لا تتجاوز أعمارهم 14 عامًا أُودعوا المستشفيات، ووجد تقرير3 صادر عن المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن 20% من مرضى وحدات العناية المركزة الأمريكية تراوحت أعمارهم بين 20 و44 عامًا. وعديد من المرضى الشباب الذين يبقون دون أعراض بعد أن يُصابوا بالعدوى، يظلّون قادرين على نقل العدوى ونشر المرض، ليعرِّضوا بذلك أفراد أُسرهم الأكبر سنًا وجيرانهم وزملاءهم في العمل لخطر لا يُستهان به. 

خرافة: فيروس كورونا الجديد المُتسبِّب في جائحة «كوفيد-19» نشأ في مختبر

تتألَّف الأسرة الأكبر من الفيروسات التاجية التي ينتمي إليها «سارس-كوف-2» من عوامل مُمْرِضة "حيوانية المنشأ" معروفة جيدًا؛ وهذا معناه أنها من مُسبِّبات الأمراض التي يمكنها أن تقفز من مُضيفاتها الحيوانية إلى الإنسان. وخلال العشرين عامًا الماضية، شهد العالم بالفعل عدّة نوبات تفشٍ ناجمة عن فيروسات تاجية قاتلة نشأتْ في أنواع كالخفافيش أو الجِمال، ومنها تفشّي المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة «سارس» في الفترة بين عامي 2002 و2003، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية «ميرس»، التي ظهرت للمرة الأولى في عام 2012. وتشير جميع الأدلة المتوافرة إلى أن فيروس «سارس-كوف-2» المُتسبِّب في جائحة «كوفيد-19»، ينحدر مباشرة من فيروس طبيعي تحمله الخفافيش. وفي دراسة حديثة4 نشرتها دورية «نيتشر مديسين» Nature Medicine، أجرى فريقٌ من العلماء من الولايات المتحدة، وأستراليا، والمملكة المتحدة تحليلات لجينوم «سارس-كوف-2»، وقالوا: "تحليلاتنا تُظهر بوضوح أن «سارس-كوف-2» ليس مخلقًا في المختبرات ولا فيروسًا معدلًا بشكل متعمد".

خرافة: «كوفيد-19» أقل خطرًا من الإنفلونزا

تُشكِّل الإنفلونزا الموسمية والجائحية كلاهما تهديدًا كبيرًا للصحة والحياة؛ ووفقًا لتقديرات جامعة جونز هوبكنز، فإن الإصابة بفيروس الإنفلونزا تتسبَّب في حدوث ما بين 291 ألف و646 ألف حالة وفاة سنويًا على مستوى العالم. وفي المقابل، تسبَّب «كوفيد-19» بالفعل في حدوث أكثر من 200 ألف حالة وفاة حتى أواخر أبريل؛ أي بعد مرور خمسة أشهر فقط على أول ظهور للفيروس. كذلك تجدر الإشارة إلى أن حصيلة الوفيات الناجمة عن «كوفيد-19» وقعت على الرغم من التباعد الاجتماعي، وإجراءات المراقبة، وتدابير مكافحة العدوى التي التزمت بها كثير من الدول. فضلًا عن ذلك، تتوافر لقاحات وعلاجات للتخفيف من حدة الإنفلونزا، في حين لا تتوافر حماية كهذه في الوقت الحاضر لمصابي «كوفيد-19»، وهو ما يجعل من الممكن تفاقُم الوضع للفتك بمزيد من الأرواح حال عدم الالتزام بتدابير مشدَّدة للحفاظ على الصحة العامة. كما أن «كوفيد-19» أكثر قدرة على الانتشار من الإنفلونزا، فكل مصاب بـ«كوفيد-19» يمكنه أن ينقل العدوى إلى عدد يتراوح ما بين 2.2 و2.5 شخص، في حين أن معدل انتشار الإنفلونزا هو 1.3 شخص فقط. ناهيك بأن الوفيات الناجمة عن الإنفلونزا تقلّ نسبتها عن 1%، في حين تشير التقديرات المبكرة لمنظمة الصحة العالمية إلى أن نسبة الوفيات الناجمة عن «كوفيد-19» تبلغ 3.4%.

خرافة: القناع يكفي للوقاية من التقاط عدوى «كوفيد-19»

في كثير من الدول، يُشجَّع عموم الأفراد أو حتى يُلزَموا بارتداء قناع جراحي أو قماشي عند وجودهم في الأماكن العامة خلال الجائحة. ويمكن أن تساعد الأقنعة على تقليل انتشار العدوى وهي إجراء احترازي جيد، لكن يجب ألا تُعد وسيلة حماية شاملة. فقد وجد تقرير5 نشرته دورية Nature أن الأفراد الذين يرتدون أقنعة قطنية صُنعت منزليًا أو أقنعة جراحية، تقل احتمالية نشرهم للقُطيرات التي تحتوي على الفيروس عند التنفس أو التحدث، ومن ثم يمكن لذلك أن يُساعد على حماية أفراد المجتمع الآخرين من الإصابة بالعدوى. لكن الأقنعة لن تقي مرتديها بالضرورة من التقاطهم عدوى «كوفيد-19» من الأفراد الذين لا يرتدون الأقنعة. فمن الضروري تغطية الفم والأنف تمامًا، وأن يمتنع مرتدو الأقنعة عن لمس وجوههم أو أقنعتهم في أثناء استعمالهم لهذه الأقنعة، وأن يتخلصوا منها فورًا بعد ذلك (في حال الأقنعة الجراحية) أو يغسلوها قبل استخدامها مرة أخرى (في حال الأقنعة القماشية). وحتى مع ارتداء الاقنعة، يظل التباعد الاجتماعي المناسب ضروريًا لتوفير أقصى قدر من الحماية. ومن المهم أيضًا أن تتذكر أنه قد يحدث انتقال لعدوى الفيروس عن طريق العين. 

خرافة: يُمكن للحيوانات الأليفة أن تنشر «كوفيد-19»

حتى يومنا هذا، أشارت بعض التقارير إلى نتائج فحوص تُبيِّن إصابة حيوانات بعدوى «سارس-كوف-2»، من بينها قطة واحدة في بلجيكا وكلبان في هونج كونج. ومع ذلك، لا توجد حاليًا أي أدلة تُشير إلى أن هذا الفيروس يمكن أن يُسبب مرضًا نشطًا لدى هذه الحيوانات. وبالمثل، لا توجد دلائل على أن الحيوانات التي تحمل الفيروس يمكنها أن تنقله إلى البشر. وقد أظهرت إحدى الدراسات المختبرية -التي لم تُنشر بعد- أن القطط تستطيع نقل العدوى بالفيروس إلى قطط أخرى في الأوساط التجريبية، لكن لم يُصب أيٌ من هذه الحيوانات بمرض نشط، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان انتشار مماثل بين الحيوانات يحدث فعلًا على أرض الواقع. من هنا، أعلنت الجمعية الطبية البيطرية الأمريكية أنه ليس لديها "معلومات تُشير إلى أن الحيوانات الأليفة قد تشكّل للأشخاص مصدرًا لعدوى الفيروس التاجي المُسبب لمرض «كوفيد-19»، على الرغم من أن الجمعية توصي بضرورة أن يحدَّ المرضى المصابون بعدوى نشطة من اختلاطهم بالحيوانات الأليفة إلى أن يتماثلوا للشفاء.

خرافة: سيؤدي دفء الربيع و طقس الصيف إلى الإبطاء من وتيرة انتشار «كوفيد-19»

في الأجواء المناخية المعتدلة، يمتد موسم نزلات البردوالإنفلونزاعادةًمنأواخرالخريفإلىالربيع،وأسباب ذلكليستمفهومةتمامًا،لكنبعضالخبراء6 يعتقدون أن القُطيراتالمحمولةجوًا والتي تنشر هذه الفيروسات تكون أكثر استقرارًا في هواء الشتاء منخفض الرطوبة، عنها في هواء الصيف الأعلى في مستوىالرطوبة. وقد تكون أغشيتنا المخاطية وجهازنا المناعي أكثر عرضة للإصابة بالعدوى في الشتاء. وعلى الرغم من وجود بعض الأدلة التي تُشير إلى أن الطقس الأكثر دفئًا يُعرقل إلى حد ماانتشار «كوفيد-19»، فإن عديدًا من كبارعلماء الفيروسات لا يرون سببًا وجيهًا للاعتقاد بأن الصيف سيعوق انتشار الجائحةعلى نحوٍ ملحوظٍ، ومن بين هؤلاءباحثونفيجامعةهارفارد،وفقًالما ذكروه فيدراسةحديثة7نشرتهادورية «ساينس» Science. ويرجع هذا في الأساس إلى حداثة فيروس «سارس-كوف-2»، والذي حتى إن أضعفته الحرارة أو الرطوبة، فإن أجهزة المناعة البشرية ليست مُهيّأةجيّدًالصدّه، مقارنةً بأعدائها المألوفين منالفيروسات المُسبِّبةلنزلات البردأو الإنفلونزا.  

References

  1.  Doremalen,V. et al. Aerosol and Surface Stability of SARS-CoV-2 as Compared with SARS-CoV-1. New England Journal of Medicine. 382. (2020) | article
  2. Grasselli G. et al. Baseline Characteristics and Outcomes of 1591 Patients Infected With SARS-CoV-2 Admitted to ICUs of the Lombardy Region, Italy. JAMA. (2020). | article
  3. Severe Outcomes Among Patients with Coronavirus Disease 2019 (COVID-19) — United States, February 12–March 16, 2020. MMWR Morb Mortal Wkly Rep 69, 343-346 (2020). | article
  4. Andersen, K.G., et al. The proximal origin of SARS-CoV-2. Nat Med 26, 450–452 (2020).  | article
  5. Leung, N.H.L., et al. Respiratory virus shedding in exhaled breath and efficacy of face masks. Nat Med (2020). | article
  6. Shaman, J. et al. Absolute humidity and the seasonal onset of Influenza in the Continental United States. PLoS Biol 8(2) (2010) | article
  7. Kissler, S. et al. Projecting the transmission dynamics of SARS-CoV-2 through the postpandemic period. Science. | article

أقرأ أيضا

الجهود البحثية بشأن كوفيد-19 تستلهم الخبرة السعودية في التعامل مع متلازمة الشرق الأوسط التنفسية

يلعب مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية دورًا محوريًا في الجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية لإبطاء وتيرة انتشار مرض «كوفيد-19»، مرتكزًا على البنية الأساسية لأبحاث متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس)، ومستفيدًا من المعرفة المُستقاة من نوبات تفشّي فيروسات تاجية سابقة. 

علاجات مرض «كوفيد-19» الأكثر استحواذًا على النقاش

بينما ينتظر العالم التوصَّل إلى لقاح، تجري حاليًا دراسة عديد من الخيارات العلاجية لاستخدامها في علاج مرضى «كوفيد-19».

الحياة على خط المواجهة مع «كوفيد-19»

طبيب تخدير مصري مُقيم في لندن يصف الواقع الذي يعيشه العاملون في القطاع الصحي في ظل تفشي «كوفيد-19»