علاجات مرض «كوفيد-19» الأكثر استحواذًا على النقاش

بينما ينتظر العالم التوصَّل إلى لقاح، تجري حاليًا دراسة عديد من الخيارات العلاجية لاستخدامها في علاج مرضى «كوفيد-19».

قراءة

Ovidiu Dugulan / Alamy Stock Photo

مع إصابة ملايين الأشخاص وتزايد أعداد الوفيات على نحو مثير للقلق، يجري حاليًا على قدم وساق البحث عن أدوية لعلاج المرضى المصابين بمرض «كوفيد-19». وقدر جرى الترويج لعديد من العقاقير بوصفها علاجات محتملة، ويخضع الآن بعضها للتجارب. وفي ما يلي عرض موجز للخيارات العلاجية التي تحظى بالقدر الأكبر من النقاش وتخضع للدراسة حاليًا.

بلازما النقاهة

جرى تطوير العلاج ببلازما النقاهة (CP) واستخدامه كعلاج في أثناء جائحة الإنفلونزا التي حدثت في الفترة بين عامي 1918 و1919. وتتسم فكرة هذا العلاج بالبساطة والوضوح؛ إذ تعتمد على أخذ بلازما الدم المحتوية على الأجسام المضادة المُحيَّدة للفيروس من أشخاص تعافوا من المرض ونقلها إلى المرضى المصابين بمرض «كوفيد-19».

تشير الدراسات1 التي أُجريت على المرضى في مدينة ووهان الصينية إلى أن النهج القائم على منع فيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة «سارس-كوف-2» (SARS COV-2) من دخول الخلايا قد يفلح. فقد ظهر بعض التحسن على المرضى الذين عانوا من ضيق التنفس المُهدِّد للحياة، وانخفضت مستويات الحِمل الفيروسي في أجسامهم. وقد استُخدم العلاج ببلازما النقاهة على نحو فعَّال في فاشيات المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (SARS)، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية ((MERS، وإنفلونزا الخنازير (H1N1)، وقد أظهر تحليل  تجميعي2 أجراه جون ماير-جنكينز وزملاؤه، ونُشر في عام 2014، انخفاض معدلات الوفيات بين المرضى الذين يعانون من عدوى تنفسية حادة وخيمة، بعد تلقيهم جرعات متنوعة من بلازما النقاهة، ودون أن يتعرضوا إلى أي آثار سلبية أو مضاعفات بعد العلاج.

وثمة جهود عدّة تُبذل لدراسة بلازما النقاهة، لعلّ أكثرها تقدمًا يُبذَل في الولايات المتحدة حاليًا؛ حيث يوجد المشروع الوطني لبلازما المتعافين من «كوفيد-19»، الذي تديره جامعة ولاية ميشيجن ومؤسسة مايو كلينيك. تقول بريا سامباثكومار، وهي استشارية في قسم الأمراض المُعدية في مؤسسة مايو كلينيك: "أرى أن الظروف مواتية للتقدم إلى الأمام".

إلا أن ثمة مشكلات تتعلق بجمع كميات كافية من البلازما؛ فالمتبرع الواحد يُنتج عددًا محدودًا من الأجسام المضادة في كل عملية سحب، لذا لا بدَّ من وجود مجموعة كبيرة من المتبرعين من المرضى المتعافين. وبعد ذلك ستكون ثمة حاجة إلى إجراء مزيد من الاختبارات لتحديد المستويات الفعالة من الأجسام المضادة، حتى يتسنى تحديد الجرعة المناسبة. وتضيف سامباثكومار قائلة إن العمل يجري على قدم وساق، وإن اختبارًا للأجسام المضادة المُحيِّدة سيكون متاحًا عما قريب في مؤسسة مايو كلينيك.

ويُجرى حاليًا عديد من التجارب السريرية، من المقرر الانتهاء من بعضها بحلول نهاية العام الحاليّ، بما في ذلك تجربة من المرحلة الثالثة تُجرى بباريس، من المقرر الانتهاء منها في شهر أغسطس المقبل، وأخرى في بكين يُنتظر إتمامها في شهر يونيو. كذلك تشرع جامعة جونز هوبكنز حاليًا في إجراء تجربة لتقييم ما إذا كان من الممكن استخدام بلازما النقاهة كإجراء وقائي لمنح مناعة سلبية ضد مرض «كوفيد-19».

وفي الولايات المتحدة، يقود عالم المناعة أرتورو كاساديفال، من جامعة جونز هوبكنز، مبادرًة على مستوى البلاد لتشجيع التبرع بالبلازما من المرضى المتعافين من مرض «كوفيد-19»، وتشمل هذه المبادرة 40 مؤسسة أمريكية، من ضمنها جامعة جونز هوبكنز، ومؤسسة مايو كلينيك. كما تقود هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) للدم وزراعة الأعضاء بالمملكة المتحدة حاليًا برنامجًا يضم 23 مركزًا من مراكز الدم لجمع بلازما النقاهة بهدف إجراء التجارب السريرية. وكذلك دشَّنت المملكة العربية السعودية دراسة خاصة بها بخصوص استخدام بلازما النقاهة لعلاج مرض «كوفيد-19».

كذلك تعاون عديد من المؤسسات الفاعلة في عدة صناعات -من بينها شركات تاكيدا، وسي إس إل بهرينج، وبايوتست، وبايو بروداكتس لابوراتوري، وإل إف بي، وأوكتافارما، ومايكروسوفت- لتطوير منتج لا يحمل علامة تجارية من الأجسام المضادة متعدّدة النسيلة من خلال مجموعة كبيرة من المتبرعين.

مضادات الفيروسات المُعاد استخدامها لغير أغراضها الأساسية

قد يبدو استخدام عقار معروف مضاد للفيروسات النهج الأسرع والأكثر أمانًا، لكن العلماء يحذرون من أن هذه الطريقة ليست مضمونة بأي حال من الأحوال.

يُعد عقار ريمديسيفير مضادًا للفيروسات من فئة نظائر النوكليوتيدات، وكانت تجري دراسة استخدامه في الأصل لعلاج المرض الذي يسببه فيروس إيبولا. وفي التاسع والعشرين من أبريل الماضي، أعلن أنتوني فاوتشي -مدير المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية (NIAID)- أن تجربة سريرية أُجريت على أكثر من ألف شخص أظهرت أن مَن تعاطوا عقار ريمديسيفير تعافوا في 11 يومًا، مقارنة بفترة 15 يومًا لمن لم يتعاطوه. وقد صرَّحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (USFDA) مؤخرًا باستخدام عقار ريمديسيفير في علاج مرض «كوفيد-19».

لم تُطرَح بيانات التجربة التي أشار إليها فاوتشي لاطلاع الجمهور، ولم يتمكن العلماء والأطباء السريريون والعاملون في مجال الصحة العامة من تحليل مدى فاعلية العقار. ومما زاد من حالة التشوش والاضطراب أن هذا الإعلان قد جاء في أعقاب دراسة منشورة في مجلة «ذا لانسيت»3The Lancetتتناول تجربة مُعشَّاة مزدوجة التعمية أُجريت على 237 مريضًا في حالة حرجة بالصين، خلُصت إلى أن العقار لم تكن له أي فوائد سريرية.

بدأت شركة جيلياد ساينسز -وهي الشركة الأمريكية التي تُنتج العقار- زيادة إنتاجها من العقار للاستخدامات السريرية منذ نهاية شهر مارس الماضي، قبل أن تظهر نتائج التجارب، كي يكون المخزون منه متاحًا فور الاحتياج إليه. ولكن حتى لو كان عقار ريمديسيفير فعالًا، فإنه لا يؤخذ عن طريق الفم لأنه غير متوافر في شكل كبسولات أو أقراص، ويجب إعطاؤه عن طريق الحقن، مما يجعل استخدامه كعلاج واسع النطاق أكثر صعوبة.

وتُجرى حاليًا أبحاث مشتركة على نظير النوكليوتيد المعروف باسم EIDD-2801 بين جامعة نورث كارولينا، وجامعة إيموري، والمركز الطبي بجامعة فاندربيلت. وعقار EIDD-2801 عقار تجريبي مضاد للفيروسات يعمل عن طريق تثبيط بوليميراز الحمض النووي الريبي (RNA). وقد جرى تطوير العقار ذي التوافر الحيوي والقابل للتعاطي عن طريق الفم في عام 2018 خلال السعي لإنتاج لقاح عالمي ضد جميع سلالات الإنفلونزا، ومع تفشي مرض «كوفيد-19»، تحوَّل البحث إلى فيروس «سارس-كوف-2». وتشير البيانات المنشورة في مجلة «ساينس ترانسليشنال ميديسين»4 Science of Translational Medicine في أوائل أبريل الماضي إلى وجود نشاط واعد لهذا العقار ضد فيروس «سارس-كوف-2» في الخلايا والفئران. لكن لا يزال الطريق طويلًا أمام  EIDD-2801حتى تثبت فاعليته، كما أن هذا العقار لم يخضع بعد لفحص السلامة الذي خضع له عقار ريمديسيفير في التجارب على البشر.

مضادات الفيروسات التي لم تحقق نجاحًا

أحد العقاقير الأخرى المرشحة التي تندرج تحت فئة مضادات الفيروسات المُعاد استخدامها لغير أغراضها الأساسية هو عقار "كلوروكوين" -وهو الدواء المُستخدم في علاج الملاريا- وكذلك العقار الذي ينتمي للفئة نفسها، هيدروكسي كلوروكوين، الذي يُستخدم أحيانًا مع المضاد الحيوي أزيثرومايسين. وعلى الرغم من أنه يُروَّج له أحيانًا على أنه علاج محتمل لمرض «كوفيد-19»، فإنه لا يوجد دليل علمي معتبر يؤيد هذا الادعاء.

حذَّرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في بيان لها بتاريخ 24 من أبريل من أن هذه العقاقير يمكن أن تُسبِّب اضطرابات خطيرة في ضربات القلب لدى المرضى المصابين بفيروس كورونا. وقالت الإدارة إن هذا التحذير يستند إلى مراجعة للآثار العكسية التي أبلغ عنها عديد من المستشفيات والعيادات الخارجية لعلاج مرض «كوفيد-19» أو الوقاية منه، بما في ذلك تسارع ضربات القلب وعدم انتظامها، واضطراب معدلاتها، وتأخر عضلة القلب في إعادة الشحن بين النبضات، والوفاة في بعض الحالات.

درس الباحثون أيضًا استخدام عقار كاليترا، وهو مزيج من عقاري "لوبينافير-ريتونافير" جرى تطويره لعلاج فيروس العوز المناعي البشري (HIV)، ولكنه يفتقر إلى البيانات الداعمة للنشاط المختبري ضد فيروس «سارس-كوف-2». يقول نيك ماثيسون، وهو باحث رئيسي في معهد كامبريدج لعلم المناعة العلاجي والأمراض المعدية (CITIID)، ومستشار فخري في علم الأمراض المعدية في مستشفى أدينبروك بكامبريدج: "من الناحية البنيوية، يختلف البروتياز الخاص بفيروس العوز المناعي البشري تمامًا عن البروتيازات العديدة التي توجد في فيروس «سارس-كوف-2». وسوف يكون من قبيل المصادفة السارة إذا وُجد أن ذلك البروتياز فعَّال ضد بروتياز فيروس «سارس-كوف-2»".

دراسة مضادات الالتهابات

يجري حاليًا أيضًا إعادة تهيئة بعض مضادات الالتهابات الموجودة بالفعل لاستخدامها كعلاج محتمل لمرض «كوفيد-19».

وتوجد كذلك علاجات جديدة مثل "توسيليزوماب"، وهو جسم مضاد وحيد النسيلة مُؤنسَن يعمل ضد الإشارة الكيميائية، إنترلوكين-6، واستُخدم حتى الآن في علاج التهاب المفاصل الروماتويدي. تجري حاليًا دراسة فاعلية "توسيليزوماب" في تجارب من المرحلة الثالثة بعدّة مواقع في الولايات المتحدة، وأوروبا، وكندا، ولكن لم تُنشر نتائج مُهمة حتى الآن بشأن فاعليته.

References

  1. Duan, K. Effectiveness of convalescent plasma therapy in severe COVID-19 patients. Proceedings of the National Academy of Sciences. 117 (2020) | article
  2. Mair-Jenkins, J. The effectiveness of convalescent plasma and hyperimmune immunoglobulin for the treatment of severe acute respiratory infections of viral etiology: A systematic review and exploratory meta-analysis. The Journal of Infectious Diseases, 211 (201) | article
  3. Wang, Y. et al. Remdesivir in adults with severe COVID-19: a randomised double-blind, placebo-controlled multicentre trial. Lancet. (2020). | article
  4. Sheahan, T. An orally bioavailable broad-spectrum antibiral inhibits SARS-CoV-2 in human airway epithelial cell cultures and multiple coronaviruses in mice. Science Translational Medicine. 12 (2020) | article

أقرأ أيضا

التشبُّث بالحقائق في زمن الجائحة

في خضم هذا السيل الهائل من الأخبار والنصائح والعلوم الزائفة التي تنهال علينا بوصفها حقائق، حان الوقت لكشف زيف بعض المعلومات المتعلقة بجائحة «كوفيد-19».

الجهود البحثية بشأن كوفيد-19 تستلهم الخبرة السعودية في التعامل مع متلازمة الشرق الأوسط التنفسية

يلعب مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية دورًا محوريًا في الجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية لإبطاء وتيرة انتشار مرض «كوفيد-19»، مرتكزًا على البنية الأساسية لأبحاث متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس)، ومستفيدًا من المعرفة المُستقاة من نوبات تفشّي فيروسات تاجية سابقة. 

الحياة على خط المواجهة مع «كوفيد-19»

طبيب تخدير مصري مُقيم في لندن يصف الواقع الذي يعيشه العاملون في القطاع الصحي في ظل تفشي «كوفيد-19»