مكافحةُ الجائحة على جميع الجبهات

يقول نايف الحربي -أحد كبار علماء الفيروسات بالمملكة العربية السعودية- إن مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية (كيمارك) يقف في طليعة مكافحة المملكة لمرض «كوفيد-19» عن طريق الإسراع من وتيرة أبحاث فيروس كورونا.

قراءة

Science Photo Library / Alamy Stock Photo

يُعد نايف الحربي –عالم الفيروسات والباحث في مجال الأمراض المعدية- أحد أبرز الشخصيات التي اضطلعت بدورٍ محوري في إطار المساعي التي يبذلها مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية (كيمارك) بهدف التوصل إلى لقاحٍ لفيروس كورونا. وبوصفه مديرًا لوحدة تطوير اللقاحات، يقود الحربي المرحلة الأولى من تجربةٍ سريرية يُجريها المركزُ على لقاح فيروس كورونا المُسبِّب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية «ميرس» MERS، كما يُشرف على بحثٍ آخر يتعلق بفيروس «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2. ترأس الحربي كذلك دراسات الانتشار المصلي لمرض «كوفيد-19» والتي تهدف إلى قياس الاستجابة المناعية وتقدير مخاطر الإصابة بالأمراض السابقة والحالية لدى المجتمع السعودي. 

تتولى وزارة الصحة السعودية الإشراف على الحصول على اللقاحات وتوزيعها. ورغم الهدوء المؤقت الذي تشهده عملية جدولة إعطاء اللقاحات في المملكة بسبب نقص إمدادات لقاح «فايزر/بيونتك»، فمن المتوقع أن يتحسن الوضع في منتصف فبراير مع زيادة الوزارة مخزونها من اللقاحات. كما أجازت المملكة استخدام لقاح «كوفيد-19» الذي طُور من قبل شركة «أسترازينيكا»، وهو ما من شأنه أن يُسهم في التخفيف من مشكلات التوريد. وإضافةً إلى ذلك، شهدت المملكة العربية السعودية افتتاح مراكز تطعيم جديدة في أنحاء البلاد كي تُساعد على تحقيق هدف الوزارة المُتمثِّل في استكمال تطعيم ما تبقى من مواطني المملكة الذين لم يحصلوا على اللقاح بعد والبالغ عددهم 26 مليوناً، بحلول نهاية عام 2021.

ولا يزال إجراءُ أبحاث اللقاحات ودعمها إضافة إلى اختبار مزيد من اللقاحات محورَ تركيز كيمارك، ويأتي هذا في إطار التعاون مع وزارة الصحة، من أجل زيادة عدد المواطنين الحاصلين على اللقاح.

وقد نشر الحربي ومجموعةٌ من الباحثين في نهاية عام 2020 دراسةً استقصائية بخصوص الانتشار المصلي لفيروس «سارس-كوف-2» بين العاملين في مجال الرعاية الصحية والطبية في المملكة العربية السعودية. ويتأهب الحربي وزملاؤه حاليًا لطرح دراسةٍ عن الانتشار المصلي لمرض «كوفيد-19» في المملكة بعد جمع ما يصل إلى 11 ألف عينةٍ مصلية من مختلف أنحاء البلاد لدراسة الانتشار المصلي على المستوى المحلي في الفترة ما بين يونيو ونوفمبر 2020.

أجرت مجلة «ابتكارات» الخاصة بمركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية KAIMRC's Innovations حوارًا مع الحربي عن هذه الدراسة، كما تحدثت معه عن جاهزية المملكة لمواجهة الجائحة وعن الزخم غير المسبوق    الذي يبذله المركز من أجل توسعة نطاق أبحاث الفيروسات.

«ابتكارات»: يعتقد كثير من الخبراء أن المملكة العربية السعودية كانت سبَّاقةً في الاستجابة لجائحة فيروس كورنا المستجد بفضل خبرتها السابقة في مكافحة «ميرس». فعلى سبيل المثال، يمتلكُ كيمارك بالفعل ما يلزم من بنيةٍ أساسية تشمل تكنولوجيا تطوير اللقاحات ومختبرات التشخيص التي أُعيد توجيهها جزئيًا لأبحاث فيروس «سارس-كوف-2». إذا عُدنا بالذاكرة إلى العام الماضي 2020، هل لك أن تُطلعنا على الدراسة البحثية المهمة التي انصبَّ تركيزُ المركز عليها استجابةً لمرض «كوفيد-19»؟

الحربي: يمتلكُ كيمارك برنامجًا بحثيًا عن فيروس «ميرس-كوف»، بدأ منذ عام 2015. وينصبُّ تركيز هذا البرنامج تحديدًا على علم الأوبئة، وتطوير اللقاحات، والاختبارات التشخيصية، والتجارب السريرية العلاجية. وقد نشرنا مؤخرًا بياناتٍ استقيناها من تجربتنا المُنضبطة المُعشَّاة (والمعروفة باسم «تجربة ميراكل» The MIRACLE Trial) وتُظهِر هذه البيانات ميزة العلاج المُركَّب من عوامل مُضادةٍ للفيروسات وإنترفيرون β1b وجدوى استخدامه في علاج المرضى المصابين بحالات متوسطةٍ إلى شديدةٍ من عدوى فيروس «ميرس-كوف»، إضافةً إلى خفض معدلات الوفاة. كما أجرينا أيضًا المرحلة الأولى من تجربةٍ سريرية للقاح ChAdOx1 MERS، وكانت هذه أول تجربة سريرية في أولى مراحلها تُجرى في المملكة العربية السعودية. وقد ساعدنا هذا على أن نصبح أكثر استعدادًا لمرض «كوفيد-19». فقد أسهم الجهدُ البحثي المشترك بيننا وبين جامعة أكسفورد بهدف تطوير لقاحChAdOx1  في طرح لقاح ChAdOx1n CoV-19 المضاد لمرض «كوفيد-19» واختباره، وهو اللقاح الذي خضع لمزيدٍ من التطوير من جانب شركة أسترازينيكا في ما بعد. وإضافةً إلى ذلك، أجرينا عددًا من التجارب السريرية حول «كوفيد-19»، من بينها تجربة FACCT للتحقُّق من فاعلية عقار فافيبيرافير Favibravir في علاج «كوفيد-19».

«ابتكارات»: يتعاون المركز حاليًا مع وزارة الصحة السعودية والهيئة العامة للغذاء والدواء (SFDA) بالمملكة لاختبار تسعة لقاحاتٍ، وصلت جميعها إلى المرحلة الثالثة من التجارب السريرية. فأي اللقاحات يتم النظر فيها حاليًا، وما مدى التقدم الذي أحرزتموه بشأنها؟

الحربي: خاضت وحدةُ اللقاحات ووحدة التجارب السريرية بالمركز -جنبًا إلى جنب مع إدارة الاستراتيجية وقيادتنا- مفاوضاتٍ مكثفة مع عدد من الشركاء الدوليين لتسريع التجارب التي تُجرى على عديد من اللقاحات المُرشَّحة للتصدي لمرض «كوفيد-19». وقد قدمنا للهيئة العامة للغذاء والدواء بالمملكة ثلاثة بروتوكولات على الأقل، خُصِّص أحدُها للمرحلة الثالثة من تجربةٍ تهدفُ إلى تقييم فاعلية لقاح «كورونافاك» CoronaVac المضاد لـ«كوفيد-19»، والذي طرحته شركة سينوفاك الصينية للمستحضرات الدوائية الحيوية.

وبعد ثلاث جولاتٍ من المراجعات المُكثَّفة، رفضت الهيئة العامة للغذاء والدواء اللقاح. وفي أوائل شهر مارس 2020، بدأنا في اتخاذ الترتيبات اللازمة بالتعاون مع جامعة أكسفورد لطرح تجربة في مرحلتيها الأولى والثانية للقاح ChAdOx1 nCoV-19، ولكن معدلات الإصابة لم تكن كافيةً بالمملكة حينذاك لإجراء التجارب. وفي المقابل، كان معدل الإصابة في بلدان أخرى، مثل البرازيل أعلى بكثيرٍ، ومن ثم كان ممكنًا تقييمُ لقاح ChAdOx1 nCoV-19 بسرعة أكبر هناك.

«ابتكارات»: كيف تعامل كيمارك مع مثل هذا الجهد البحثي الهائل؟ هل أنشأتم مختبراتٍ جديدة بالمركز والمؤسسات والمستشفيات المرتبطة به؟ 

الحربي: أسَّس كيمارك وحدة اللقاحات ووحدة التجارب السريرية، وجهزهما ليُصبحا مركز القيادة الوطني للتجارب السريرية (NCCCT). وقد أسهمت كل هذه الجهود في رفع مستوى جاهزيتنا. إضافة إلى ذلكً، يمتلك المركز مختبراتٍ ينصب تركيزها على علم الجينوم، وعلم الوراثة الميكروبية، وعلم المناعة، وعلم الأحياء الخلوي. كما تُجرى أبحاثٌ سريرية أيضًا في مستشفيات الحرس الوطني، وهي المدينة الطبية التي ينتسب لها المركز. وتسير جميعُ هذه الجهود البحثية بشكل متواز معًا.

«ابتكارات»: قبل ظهور فيروس «سارس-كوف-2»، كان كيمارك يسعى جاهدًا لتطوير لقاح مضاد لفيروس «ميرس-كوف» بالتعاون مع جامعة أكسفورد وغيرها من المؤسسات المرموقة الأخرى. فكيف تأثَّر هذا المسعى بجائحة «كوفيد-19»؟ هل قررتم تعليق الجهود البحثية الرامية إلى التوصل للقاحٍ مضادٍ لفيروس «ميرس-كوف» أم أنها لم تُعد تتصدَّر قائمة أولوياتكم نتيجة لذلك؟

الحربي: لقد نجحنا في استكمال المرحلة الأولى من التجربة السريرية، والتي أجريناها بالكامل في الفترة من ديسمبر 2019 وحتى نوفمبر 2020، خلال الأوقات العصيبة لتفشي الجائحة. ولم تتراجع أولويةُ العمل على لقاحٍ مضادٍ لفيروس «ميرس-كوف»، ولكنها لم تُعد تتصدر أولوياتنا -بطبيعة الحال- بسبب التركيز المحلي والعالمي على أبحاث «كوفيد-19»؛ وهو الأمر الذي يشمل كيمارك كذلك.

«ابتكارات»: هل لكم أن تُطلِعونا على جانبٍ من المسائل البحثية المهمة التي تشغل علماء الفيروسات المختصين بدراسة فيروسات كورونا وعلماء الأوبئة في كيمارك؟

الحربي: مع دخول العالم حقبةَ أبحاث ما بعد «كوفيد-19»، ينتقل المركز إلى دراسة الآثار الناجمة عن «كوفيد-19»، والفاعلية طويلة الأجل للقاحات والاستجابة لها. فقد أجرينا بحثًا مشتركًا عن الأجسام المضادة المُحيِّدة، فضلًا عن دراسةٍ للانتشار المصلي لفيروس «سارس-كوف-2» بين العاملين في المستشفيات في وقتٍ مبكرٍ من تفشي الجائحة. وأظهرت النتائج -التي نُشرت أواخر عام 2020- أن تدابير الصحة العامة -ومن بينها الحرص على استخدام معدات الوقاية الشخصية والإغلاق- قد أسهمت في الإبقاء على معدلات إصابة العاملين في مجال الرعاية الصحية بمرض «كوفيد-19» دون ظهور أعراضٍ عند مستوياتٍ منخفضة. ونحن نعمل حاليًا على  تقديم ورقة بحثية أخرى بخصوص الانتشار المصلي  على المستوى المحلي باستخدام بياناتٍ أكثر حداثة.

حُرِّرت هذه المقابلة بهدف الإيجاز والوضوح.

References

  1. Arabi, Y.M., et al. Treatment of Middle East respiratory syndrome with a combination of lopinavir/ritonavir and interferon-β1b (MIRACLE trial): statistical analysis plan for a recursive two-stage group sequential randomized controlled trial. Trials 21, 8 (2020). | article
  2. Hashem, A.M., et al. Early Humoral Response Correlates with Disease Severity and Outcomes in COVID-19 Patients. Viruses. 12, 1390 (2020). | article
  3. Alserehi H.A., et al. Seroprevalence of SARS-CoV-2 (COVID-19) among healthcare workers in Saudi Arabia: comparing case and control hospitals. Diagn Microbiol Infect Dis. 99,115273 (2020).  | article
  4. FAvipiravir and HydroxyChloroquine Combination Therapy (FACCT) | article

أقرأ أيضا

دراسةٌ تُشير إلى أن معدل الإصابة بمرض "كوفيد-19" كان منخفضًا بين العاملين بمجال الرعاية الصحية في بداية الجائحة

أقنعةٌ الوجه والإغلاقُ وتوخي الحذر، من بين العوامل التي أسهمت في الحدِّ من معدلاتِ إصابة العاملين بمجال الرعاية الصحية بالمرض، في أنحاء المملكة العربية السعودية.

السعوديون يغيرون اتجاه السكري

لا تقترن الإصابة بداء السكري من النوع الثاني بمقاومة الإنسولين بين السعوديين كما يحدث لدى الشعوب الأخرى. 

الحد من الوفيات الناجمة عن متلازمة الشرق الأوسط التنفسية «ميرس»

فريق من الأطباء السريريين يختبرون نظامًا علاجيًا مُركَّبًا من عدة عقاقير نجح في تقليل عدد الوفيات الناجمة عن متلازمة الشرق الأوسط التنفسية «ميرس» MERS بمقدار الثلث.