تقليل الالتهاب المزمن سيئ التكيّف من شأنه أن يستعيد شباب خلايا الدماغ لدى الفئران

حدَّد العلماء مسارًا واحدًا للتأشير الجزيئي يمكن استخدامه لعكس الاختلال الوظيفي في التمثيل الغذائي والمناعة والمرتبط بتقدم العمر لدى الفئران.

قراءة

STEVE GSCHMEISSNER/SCIENCE PHOTO LIBRARY/ GETTY IMAGES

لا شك أن السعي إلى إبطاء التدهور العقلي الناجم عن التهاب الدماغ المرتبط بالتقدم في العمر أو عكسه، ظل هدفًا ينشده العلماء بهمة. وفي هذا السياق، يطرح اكتشاف توصّل إليه علماء في كلية الطب بجامعة ستانفورد رؤى ثاقبة بخصوص شيخوخة الخلايا والأمل المعقود على استعادة الوظائف الإدراكية.

ترتبط الشيخوخة بالالتهابات المفرطة والمزمنة منخفضة الدرجة، وهي عملية يشير إليها المختصون بمصطلح "التهابات الشيخوخة" ويعتقدون أنها مسؤولة عن عديد من الأمراض، بداية من  آلزهايمر وصولًا إلى السرطان.

تكتنف التهابات الشيخوخة حدوث تغييرات في نشاط وبيولوجيا البلاعم، وهي خلايا متخصصة تكتشف البكتيريا وتدمّرها، وتشكّل خط الدفاع الأول ضد الكائنات المسببة للأمراض و العوامل الممرضة.

تخزّن البلاعم المتقدمة في السن الطاقة بشكل مختلف عن البلاعم الشابة والسليمة، فعلى سبيل المثال، بدلًا من استخدام هذه الطاقة كوقود، تختزن البلاعم المتقدمة في السن الجليكوجين لاستخدامه في إطلاق استجابة مناعية أقوى في حالة الالتهاب الحاد. لكن هذه الاستجابة المناعية الأقوى، وهي عبارة عن رد فعل مبالغ فيه إلى حدٍ ما، لها أثر جسيم في الدماغ المتقدم في السن، فهي تسبب ضررًا في الأنسجة الطبيعية، وتُجهد الجهاز المناعي، وتُزيد من تفاقم الأمراض التنكسية.

كاترين أندرياسون، أستاذة طب الأعصاب بكلية الطب بجامعة ستانفورد، أحد العلماء الذين يدرسون العلاقة بين النشاط الأيضي والالتهاب سيئ التكيّف. وقد أظهر فريقها، في دراسة جديدة نُشرت في دورية Nature، أن خلايا الدُبَيْقِيَّات‎ -الخلايا البلعمية المتوطنة داخل أدمغتنا- حساسة للغاية تجاه التغيرات في مستويات الجزيء الالتهابي المسمى البروستاغلاندين E2 (PGE2)، والذي تستشعره من خلال مستقبل سطح الخلية الذي يُسمّى EP2.

تتحكم الدُبَيْقِيَّات فعليًّا في مناعة الدماغ النشط. وعندما لا تنشغل بمحاربة  العوامل الممرضة والتصدي للالتهاب، فإنها تعمل على  إزالة البروتينات  المتطوية بشكل خاطئ المرتبطة بالتنكس العصبي1، والتخلص من الخلايا العصبية القديمة أو الميتة وبقايا الحطام الخلوي، وتعزيز عملية تخلّق  الخلايا العصبية من خلال حماية الخلايا العصبية السليمة والشابة وتغذيتها.

لكن الدُبَيْقِيَّات -على الرغم من دورها المحوريّ في الحفاظ على صحة الدماغ- يمكنها أيضًا أن تنقلب دون قصد ضد العضو الذي تحميه من خلال الدخول في حالة استجابة مبالغ في سرعتها لإشارات الاستغاثة التي تلتقطها المستقبلات الموجودة على سطحها. نتيجةً لذلك، ينتهي بها الأمر إلى قتل الخلايا العصبية في أثناء محاولة الحدّ من العدوى أو الضرر2

كبح جماح التدهور الإدراكي

استخدم الفريق بقيادة أندرياسون مزارع الخلايا النِّقويَّة البشرية وأدمغة الفئران المسنّة، للبحث في الروابط بين التمثيل الغذائي والتهابات الشيخوخة في الدُبَيْقِيَّات. والخلايا النِّقويَّة المكوّنة للدم هي نوع من الخلايا المناعية التي تشمل أيضًا  بلاعم الأنسجة.

تقول أندرياسون: "تزداد مستويات الجزيء PGE2 بشكل ملحوظ مع تقدم العمر في كل من الدم والبلازما. وبالتأكيد، لا يمكننا إجراء تجربة على آلاف الأشخاص من مختلف الأعمار، ولكن يمكننا ملاحظة الخلايا، إذ يمكننا ملاحظة البلاعم، الشابة والمتقدمة في السن".

وجدت أندرياسون وزملاؤها اختلافًا كبيرًا في مستوى إنتاج الجزيء PGE2 في البلاعم الشابة بالمقارنة مع تلك المتقدمة في السن، بل وأيضًا في مصل الدم وأنسجة   الدماغ الشابة في مقابل تلك المتقدِّمة في. السن.

يؤدي ارتفاع مستويات الجزيء PGE2 والمستقبل EP2 في الدُبَيْقِيَّات الأكبر سنًا إلى  اختزان الجلوكوز في صورة جليكوجين، مما يحرمها من الجلوكوز.

وتتفاقم هذه المشكلة بسبب خاصية أخرى لدى البلاعم المسنة اكتشفتها أندرياسون وزملاؤها في الدراسة. فالخلايا يمكنها عادةً اللجوء إلى مصادر وقود أخرى للحصول على الطاقة، مثل الجلوتامين أو اللاكتات، لكن فريق أندرياسون اكتشف أن البلاعم المُسنّة تفتقر إلى هذه القدرة. فهي "تعتمد اعتمادًا جوهريًا" على الجلوكوز كمصدر للوقود.

ومع زيادة تحويل الجلوكوز إلى جليكوجين، فإن هذا يضع البلاعم في حالة استنفاد للطاقة مما يحفّز حدوث استجابة التهابية.

تحديد المسار الجزيئي

التفت الفريق إلى المستقبل EP2 عام 2015 عندما ربطوه بمرض  آلزهايمر لدى فئران التجارب. تقول أندرياسون: "حظيت هذه الدراسة بقدر معقول من  التغطية الصحفية". فقد اكتشفت هي وفريقها أن تقليل المستقبل EP2 في الدُبَيْقِيَّات يؤثر في النمط الظاهري لمرض  آلزهايمر. وفي الواقع، أسفر خفض EP2 بنسبة 50٪ عن "تأثيرات جذرية"، على حد وصفها، ساعدت على "اعتبار هذا المسار مُهمًا في ما يتعلق بالشيخوخة" جنبًا إلى جنب مع أدلة أخرى.

أدَّت معالجة الفئران بمثبطات المستقبل EP2  التي تمنع تأشير الجزيء PGE2 إلى عكس آلية كبح التمثيل الغذائي واستعادة وظيفة الخلية الطبيعية. توضح أندرياسون: "الاستنتاج الأوَّل من هذه النتيجة أنه يُمكننا على الأرجح عكس شيخوخة الدماغ من خلال شكل من أشكال التدخل المحيطيّ. أما الاستنتاج الثاني فهو أنه يمكننا عكس شيخوخة الدماغ عن طريق استعادة التمثيل الغذائي الشبابي للخلايا المناعية".

عبر إصلاح الخلل في التمثيل الغذائي الذي يؤدي إلى حالات نقص الطاقة في البلاعم، تمكنت أندرياسون وزملاؤها من تقليص اضطراب خلوي معقد إلى  تحوّل جزيئي واحد يمكنهم تبديله.

وقد وصف إيال أمييل، الأستاذ المشارك في علوم المختبرات الطبية بجامعة فيرمونت، والذي لم يشارك في الدراسة، هذا الاكتشاف بالإنجاز الباهر.

يقول: "إن ما يُعتبر حقًا نقلة نوعية هو البساطة في تحديد مدخل أيضي واحد، ووسيط التهابي واحد، ومستقبل واحد يكمن وراء كل من الوظيفة الالتهابية والأيضية للخلايا، ولكل منها تأثير مباشر ومذهل في التنكس العصبي. إن اصطفاف هذه العوامل معًا على نحو يُفضي إلى هذا الاستنتاج لهو أمر مذهل حقًا."

 أما سؤال المحوري لدى كل من أمييل وأندرياسون، فهو ما تأثير هذا الاكتشاف في التخفيف من حدّة الأمراض التنكسيّة العصبيّة أو عكس مسارها لدى البشر؟

ربما لا تزال التجارب البشرية بعيدة المنال لفريق كلية الطب بجامعة ستانفورد، لكن الخطوة التالية الفورية، بحسب أندرياسون، هي اكتشاف مزيد من المسارات التي تعمل بطرق مماثلة، ثم مواصلة العمل انطلاقًا من تلك النقطة.

وتعلّق بقولها: "لست متأكدة من إمكانية وجود كثير من المسارات الشبيهة، لكن قد يكون هناك المزيد، ونحن نبحث مسارًا آخر حاليًا. فربما يوجد مسار آخر مشابه جدًا لهذا المسار يمكن أن يزداد تأثيره مع تقدم العمر،  الذي يثبّط التمثيل الغذائي للخلايا  النِّقويَّة ، ويعزز بشكل أساسي الاستجابات الخاصة بالتهابات الشيخوخة سيئة التكيّف. "

في الوقت نفسه، يمكن أن تساعد الأساليب الأخرى الأشخاص على تجنب التهابات الشيخوخة أو عكسها، كما تقول أندرياسون التي أوضحت أن: "الحفاظ على نمط حياة صحيّ، وممارسة الرياضة، وتناول الطعام بشكل صحيح، كل هذا مرتبط بالالتهاب. وأتساءل عما إذا كانت تلك الأساليب قد تساعد بالفعل على تصحيح تغيرات التمثيل الغذائي التي تحدث مع تقدم  العمر. فهذا أمرٌ نود اختباره."

References

  1. Minhas, P.S., et al. Restoring metabolism of myeloid cells reverses cognitive decline in ageing. Nature 590, 122–128 (2021).  | article
  2. Brown G.C., Vilalta A. How microglia kill neurons. Brain Res 2, 288-297 (2015)  | article

أقرأ أيضا

الخلايا الدبقيةُ الصغيرة تلعبُ دورًا أساسيًا في مرض الزَّرَق لدى الأطفال

الطفرةُ الجينية التي تحدثُ لدى أغلب الأطفال السعوديين المصابين بالزَّرَق الخِلقي الأوَّلي تُعوق نمو العصب البصري بتأثيرها في الخلايا الدبقية الصغيرة

السكتة الدماغية الإقفارية: دراسة التهاب الدماغ

حدد علماء من اليابان مسار إشارات يمكن استهدافه في إطار السعي للحد من التهاب الدماغ عقب التعرُّض للسكتة الدماغية الإقفارية.

تحسين نُظُم علاج سرطان الدم الليمفاوي الحاد لدى الأطفال

كشفت دراسة متعددة الجنسيات أن الجمع ما بين العلاج الإشعاعي والعلاج الكيميائي قبل زراعة الخلايا الجذعية المكوّنة  للدم ، يُحسّن فرص نجاة الأطفال المصابين بسرطان الدم الليمفاوي الحاد، مقارنةً بالعلاج الكيميائي متعدد العوامل وحده.