اللقاحات في مواجهة السلالات المتحوِّرة: سباق متواصل

الانتشار السريع للسلالات المتحوِّرة عن فيروس "سارس-كوف-2" والتي تؤثر في  فاعلية اللقاحات، وتداعياتُ ذلك بالنسبة للمعركة الدائرة لمكافحة "كوفيد-19"

قراءة

myboys.me/ /Shutterstock

مع تصاعد أعداد الإصابات بمرض "كوفيد-19" حول العالم بسبب السلالات الجديدة المتحوِّرة عن فيروس "سارس-كوف-2" والمثيرة للقلق إلى جانب ما اعتراه من طفرات، تُسابق شركات الأدوية والباحثون الزمن من أجل تطوير اللقاحات وتحسينها بما يتلاءم مع السلالات الناشئة. ربما يكون المستقبل ضبابيًا، لكن بعض العلماء يقولون إن الوتيرة غير المسبوقة لتطوير اللقاحات وحجم التعاون الدولي يبعثان على التفاؤل.

أُنتِج عددٌ هائل من لقاحات "كوفيد-19" في زمن قياسي وصُرِّح بالاستخدام الطارئ لها، بما في ذلك اللقاحات القائمة على الحمض النووي الريبي المرسال mRNA واللقاحات المعتمدة على نواقل الفيروسات الغدّية. ومع ظهور سلالات متحوِّرة جديدة، طغت فكرة تطوير جرعات تنشيطية أو إنتاج جرعات موسمية فعَّالة لمكافحة السلالات الجديدة واكتسبت زخمًا.

إن ظهور سلالات جديدة -وهي عبارة عن نُسخٍ منحدرة من الفيروس وتحمل أخطاءً في حمضها النووي الريبي ومن ثمَّ ذات شفرة جينية مختلفة عن الفيروس الأصلي- قد أثار المخاوف بشأن فاعلية جهود التطعيم القائمة الجارية. صحيح أن بعض اللقاحات أظهر فاعلية أكبر في التعامل مع بعض السلالات المتحوِّرة مقارنةً بغيرها من اللقاحات، إلا أن النجاحات الأكيدة في هذا الصدد كانت محدودة.

وفقًا للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، شهد الخريف الماضي نشوء عديد من السلالات الجديدة التي كانت أبرزها السلالة B.1.1.7 التي شاع تسميتها باسم "السلالة الفا"، والسلالة B.1.351 المعروفة بالسلالة بيتا التي نشأت بشكلٍ مستقلٍ عن السلالة B.1.1.7، والسلالة P.1 المعروفة بالسلالة غاما التي ذكرت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها أنها خضعت لـ17 طفرة فريدة، ثلاث منها في نطاق الارتباط بالمستقبِلات في البروتين الشوكي.

وتعدّ السلالة B.1.1.7 أكثر قدرة على العدوى مقارنةً بغيرها من السلالات المعروفة، وهي تقترن بأعراضٍ أشد للمرض واحتمالاتٍ أعلى لحدوث وفاة، وفي أواخر يناير الماضي، كانت تلك الاحتمالات لا تزال محل دراسة وتقييم من جانب العلماء بالمملكة المتحدة بناءً على تحليلات جديدة.

وفي وقتٍ سابق من العام الجاري، أفادت دراسةٌ بحثية أوَّلية نُشِرت على  خادم المسوّدات البحثية "ميد آركايف" medRxiv، ولم تخضع لمراجعة الأقران ومن ثمَّ لم تخضع لتقييم دقيقٍ بعد، أن سلالة جديدة مثيرة للقلق سُميِّت B.1.526 كانت قد رُصِدَت في نيويورك وانتشرت بين كبار السن والمرضى الأكثر ترددًا على المستشفيات. تشير الدراسة البحثية7 إلى أن هذه السلالة وجدت موطئ قدم لها في شمال شرق الولايات المتحدة الأمريكية.

ويُسابق العلماء الزمن حاليًا لفهم الكيفية التي تتفاعل بها هذه السلالات في ما بينها، وكذلك الكيفية التي تتفاعل بها مع جهازنا المناعي، وبصفةٍ أكثر تحديدًا، مع الأجسام المضادة أحادية النسيلة (أي تلك التي أُنتِجَت في المختبر) بالإضافة إلى الأجسام المضادة التي أُنتِجَت طبيعيًا بسبب الإصابة بالعدوى. وفهم هذه الديناميكيات يعد خطوةً مهمة نحو اكتشاف طرقٍ لتحييد السلالات الجديدة2.

بيني مور، عالمةٌ من العلماء الذين يعكفون على دراسة خصائص بعض هذه السلالات في ما يتعلق بالأجسام المضادة أحادية النسيلة. ففي دراسة نُشِرت في مارس عام 2021 في دورية "نيتشر مديسين" Nature Medicine1، كانت في طليعة من أثبتوا أن السلالة بيتا B.1.351 قادرةٌ على مقاومة بلازما المتعافين وتفادي ثلاث فئات من الأجسام المضادة المحيِّدة لها بشكل كامل.

عندما نُشِرَت البيانات الخاصة بالسلالة B.1.351 للمرة الأولى، قالت مور إنها شعرت هي وزملاؤها "بالقلق من احتمالية أن يكون مستوى الوقاية الذي يتوافر للأشخاص الذين سبق وأُصيبوا بالعدوى أقل كثيرًا مما كنا نأمل. والأمر الثاني المهم الذي شغلنا بشدة كان متعلقًا بالتداعيات التي ربما تخلِّفها السلالة على فاعلية  اللقاحات التي كان يجري توزيعها في جنوب إفريقيا. ولسوء الحظ، صحَّت توقعاتنا".

أشارت الدراسة التي أجرتها مور إلى أن احتمالات الإصابة مجددًا بالعدوى كانت قائمة. وأكدت ورقة بحثية5 نشرها أليكس سيجال وآخرون في دورية Nature بعد أسابيع قليلة من ورقة مور البحثية أن الأجسام المضادة المُستَخلصة من المرضى المتعافين من كوفيد-19 من الموجة الأولى من الجائحة التي ضربت جنوب إفريقيا كانت أقل فاعلية في تحييد السلالة B.1.351. كما أشارت بحوث مور كذلك إلى أن اللقاحات التي تستهدف البروتين الشوكي للفيروس سارس-كوف-2 ربما لا تكون بالفاعلية نفسها في مكافحة السلالات الجديدة للفيروس.

استكشفت دراسةٌ منفصلة بقيادة مايكل دايموند مدى فاعلية الأجسام المضادة في مكافحة سلالاتٍ عدة. فقد أجرت الدراسة فحصًا للأجسام المضادة أحادية النسيلة ولعيّناتٍ من أمصال دماء مرضى متعافين من "كوفيد-19" وأشخاصٍ تلقّوا لقاح "فايزر- بايونتيك" القائم على الحمض النووي الريبي المرسال، واختبرت تلك العينات مقابل مجموعة من السلالات المتحوَّرة الطبيعية والمُخلَّقة من فيروس "سارس-كوف-2".

وقد توصَّلت هذه الدراسة التي نُشِرَت في دورية "نيتشر مديسين"3 في مارس الماضي إلى نتيجة مفادها أن الأجسام المضادة المُحيِّدة الحالية أقل فاعلية في مكافحة السلالة بيتا إضافةً إلى سلالات أخرى اعترتها طفراتٌ محددة. وأوصى الباحثون بإجراء تعديلات على تسلسل البروتين الشوكي المُستخدم في بعض اللقاحات، كما أوصوا بتحديث خلائط الأجسام المضادة أحادية النسيلة لاستهداف مناطق من الفيروس لم يعترها التغيير إلى حدٍّ كبير.

وتوصَّلت دراسةٌ ثالثة نُشرت في "نيتشر مديسين"6 إلى نتيجة مماثلة تُفيد بأن الأجسام المضادة المُستخلصة من أشخاصٍ تلقّوا لقاحات "كوفيد-19" قادرةٌ على تحييد السلالة B.1.1.7 ولكنها قد تفشل جزئيًا أو كليًا في تحييد السلالة B.1.351. وقد استخدمت هذه الدراسة سلالاتٍ حقيقية متحوِّرة عن الفيروس بدلًا من تلك المُخلَّقة في المختبر.

ليس مستغربًا أن يتحوَّر فيروس كورونا، فهذا هو التطور الطبيعي للفيروس. تقول مور: "تجيد الفيروسات حقًا التحوُّر للإفلات من أي شيء من شأنه أن يؤثر فيها سلبًا، وفي حالتنا هذه، يحاول الإفلات من الأجسام المضادة المحيِّدة التي تُشكِّل مجموعةً فرعية من أجسامك المضادة. فثمة ضغوطٌ كثيرة على الفيروس تدفعه إلى التحوُّر من أجل تفادي تأثير تلك الأجسام المضادة".

في حقيقة الأمر، تقول مور إن سرعة تحوُّر فيروس "سارس-كوف-2" ليست استثنائية، وتوضِّح أنه يتحوَّر بوتيرة أبطأ كثيرًا من فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب (HIV) الذي أمضت أغلب مسيرتها المهنية في دراسته. وتضيف قائلة: "يقف وراء تهيئة كل فرص التحوُّر هذه أمام الفيروس حقيقةُ أن عشرات الملايين من البشر في شتى أنحاء العالم قد أُصيبوا به".

لكن مور تستدرك قائلةً إن هناك جانبًا إيجابيًا في أساليب المراوغة التي تتسم بها السلالة B.1.351؛ فالشخص الذي أُصيب بهذه السلالة يُنتِج أجسامًا مضادة ذات تأثير واسع النطاق يُمكنها أن تحصِّنه من الإصابة بسلالات متحوِّرة أخرى. وجاءت دراسةُ5 سيجال التي نشرتها دورية Nature لتؤكِّد هذا الأمر إذ أثبتت أن البلازما المُستخلصة من مرضى أُصيبوا بالسلالة B.1.351 في أثناء الموجة الثانية للجائحة بجنوب إفريقيا كانت فعَّالة في تحييد السلالة التي كانت منتشرة خلال الموجة الأولى.

ولا تزال مور وزملاؤها يحاولون فهم السبب في اختلاف الأجسام المضادة التي ينتجها المرضى المصابون بهذه السلالة. كما أنهم لم يحسموا أمرهم بعد بشأن مدى فاعلية هذه الأجسام المضادة في المستقبل. تُوضح مور قائلةً: "من الناحية الجينية، لا نعلم كيف سيتحوَّر الفيروس في المستقبل. فمن المؤكَّد أنه سيتحوَّر وأن سلالات جديدة ستظهر، ولكن يصعب بشدة توقع كيفية حدوث ذلك".

يقول مارك زيلر، الذي يعمل بمختبر أندرسن التابع لمعهد سكريبس للأبحاث والذي يدرس الكيفية التي تنشأ بها الفيروسات، مثل سارس-كوف-2، وتسبَّبها في نوبات تفشٍ: "لقد أثبتنا بالفعل قدرتنا على إنتاج هذه اللقاحات بسرعة كبيرة. وثمة احتمالية أن نجد أنفسنا في نهاية المطاف في موقف يتعين علينا فيه تحديث اللقاحات بشكل منتظم – ربما يكون ذلك بصفة سنوية".

وفي الوقت الذي شهدت فيه البنية التحتية اللازمة لتصنيع اللقاحات تحسُّنًا، ينبه زيلر إلى أن الاختبارات التي تُجرى على اللقاحات المُحَدَّثَة لا بدَّ أن تكون بنفس دقّة التجارب التي أجريت على اللقاحات الأصلية. ويضيف قائلًا: "ستستغرق هذه العملية شهورًا هي الأخرى، وبعد ذلك سيتطلَّب الأمر إنتاج [لقاحات جديدة وجرعات]  تنشيطية وتوزيعها، ولكن هذا قد يتمّ بوتيرةٍ أسرع من المرة الأولى، وأغلب الظن أن ذلك سيحدث".

تشير مور في النهاية إلى أن الجائحة زادت من زخم تطوير اللقاحات وتقنياتها. وبعض هذه التقنيات كتلك المُعتمدة على الحمض النووي الريبي المرسال " ذات قابلية عالية لإحتواء التغيُّرات السريعة، لكن فهمنا لمدى فاعليتها مستقبلًا، يتطلب مزيدًا من الجهود" حسبما تقول مور.

References

  1. Wibmer, C.K., Ayres, F., Hermanus, T. et al. SARS-CoV-2 501Y.V2 escapes neutralization by South African COVID-19 donor plasma. Nat. Med. 27, 622-625 (2021).  | article
  2. Luchsinger, L.L., Hillyer, C.D. et al. Vaccine efficacy probable against COVID-19 variants Science. Science 371, 1116 (2021) | article
  3. Chen, R.E., Zhang, X., Case, J.B. et al. Resistance of SARS-CoV-2 variants to neutralization by monoclonal and serum-derived polyclonal antibodies. Nat. Med. 27, 717-726 (2021). | article
  4. Tegally, H., Wilkinson, E., Giovanetti, M. et al. Emergence of a SARS-CoV-2 variant of concern with mutations in spike glycoprotein. Nature 592, 438-443 (2021).  | article
  5. Cele, S., Gazy, I., Jackson, L. et al. Escape of SARS-CoV-2 501Y.V2 from neutralization by convalescent plasma. Nature 593, 142-146 (2021). | article
  6. Planas, D., Bruel, T., Grzelak, L. et al. Sensitivity of infectious SARS-CoV-2 B.1.1.7 and B.1.351 variants to neutralizing antibodies. Nat. Med. 27, 917-924 (2021). | article
  7. Annavajhala, M.K. et al. A Novel SARS-CoV-2 Variant of Concern, B.1.526, Identified in New York. medRxiv (2021) | article

أقرأ أيضا

بدء تجربة على عقار مضاد للفيروسات لعلاج «كوفيد-19»

تجربة سريرية في المملكة العربية السعودية تدرس فاعلية عقار مضاد للفيروسات مُتداول بالفعل في علاج الأعراض الطفيفة لمرض «كوفيد-19».

عقاقير متوافرة قد تساعد على علاج «كوفيد-19»

حدد المسح الحاسوبي لجينومات فيروس «سارس-كوف-2» عدَّة بروتينات يمكن استهدافها بواسطة عقاقير متوافرة بالفعل، لعلاج «كوفيد-19».

 مغادرة المستشفى لا تعني انتهاء تأثير مرض "كوفيد-19"

المرضى الذين عانوا بشدة من مرض "كوفيد-19" أمامهم طريقٌ طويل للوصول إلى مرحلة التعافي التام من المرض بعد مغادرة المستشفى