استكشاف الصلة بين داء السُّكَّرِيّ ومرض «كوفيد-19»

دراسةُ الكيفية التي تؤثر بها عدوى «سارس-كوف-2» في مرضى السُّكَّرِي تكشف وجود علاقة مُعَقَّدة بين الفيروس والجلوكوز الأيضي.

قراءة

Diego Ibarra Sanchez/Getty Images

تزداد احتمالات معاناة المرضى المُصابين بداء السُّكَّرِي من مضاعفاتٍ خطيرة جرَّاء الإصابة بمرض «كوفيد-19»، ويحاول العلماء فهم الأسباب التي تجعل فيروس كورونا المُستَجَد أشدَّ وطأة لديهم، كما يبحثون كيفية الحد من خطورته. 

خلصت إحدى الدراسات التي نُشِرَت في دورية «ديابيتس كير» Diabetes Care، للباحث جاستن جريجوري من قسم إيان إم. بور لطب الغدد الصماء والسُّكَّرِي عند الأطفال في كلية الطب بجامعة فاندربيلت في مدينة ناشفيل، بالاشتراك مع زملاء آخرين، إلى أن شدة الإصابة بمرض «كوفيد-19» تتضاعف ثلاث مرات بين مرضى السُّكَّرِي1. فارتفاع نسب الجلوكوز في الدَّم يتيح لفيروس كورونا المُستَجَد التغلغل في الخلايا والارتباط في نهاية المطاف بالإنزيم المُحوِّل للأنجيوتنسين 2 (ACE2)؛ وهو بروتين موجودٌ على سطح عديد من الخلايا وأحد مستقبلات فيروس «سارس-كوف-2». وتُبيِّن دراساتٌ حديثة أيضًا أن مرضى السُّكَّرِي يعانون من التهابٍ مُزمِن منخفض الدرجة، وهو ما يُسهم في زيادة شدة المرض. وتُشير دراساتٌ أخرى إلى أن عدد الخلايا التائية ينخفض انخفاضًا بالغًا بين المرضى المُصابين بحالاتٍ شديدة من مرض «كوفيد-19»، الأمر الذي يؤدِّي في نهاية المطاف إلى حدوث خلل في وظائف الجهاز المناعي. كما يُمكِن أن تَضعُف الدفاعات المناعية الفطرية لدى مرضى السُّكَّرِي. 

وعلى الرغم من هذه النتائج، لا يزال متعذرًا الوصول إلى الفهم الكامل للأسباب التي تجعل مرض «كوفيد-19» يتطوَّر على نحوٍ أسوأ لدى مرضى السُّكَّرِي. يقول جريجوري: "أعتقد أن الأشخاص المصابين بداء السُّكَّرِي -سواء من النوع الأول أو النوع الثاني- يعانون من تلك الحالة المُسَمَّاة بالخلل الوظيفي للخلايا البطانية ، كما أنه من المعلوم جيدًا أن مرضى السُّكَّرِي يعانون من أمراض الأوعية الدَّموية".

ويوضِّح جريجوري أن الأوعية الدَّموية لمرضى السُّكَّرِي تكون أكثر عُرضةً للالتهاب، بدايةً من تلك التي تغذِّي الأجزاء الخلفية من العينين، أو الشبكية، أو الكُلى، أو الأعصاب وصولاً إلى الأوعية الكبيرة المؤدية إلى الشريان التاجي. ويُضيف قائلًا: "إذا كان المرء لديه بالفعل استعدادٌ للإصابة بأمراض الأوعية الدَّموية، ثم  أُصيب بمرض «كوفيد-19»، فلن يستغرق الأمر كثيرًا من الوقت قبل إصابته بالجلطات التي تمثِّل إشكالية كبيرة أو حتى تصبح تلك الشُّعَيرات الدَّموية مُرشِّحة مما  يسمح للسوائل بالدخول إلى الرئتين". 

وفقًا لجريجوري، ثمة أدلةٌ كافية تُشير إلى أن مرض «كوفيد-19» يدخل الخلية من خلال الإنزيم المُحوِّل للأنجيوتنسين 2، والذي تعبِّر عنه الخلايا البطانية عادةً بقوة. ويضيف قائلًا: "تُعَد هذه إحدى النقاط الأساسية التي يهاجم فيها «سارس-كوف-2» الخلية، ولذا أعتقد أن بطانة تلك الأوعية الدَّموية موطن الضعف الرئيسي لدى الأشخاص الذين يعانون من داء السُّكَّرِي". ويعكف جريجوري حاليًا على دراسة مسألة زيادة حدوث الخلل الوظيفي للخلايا البطانية لدى مرضى السُّكَّرِي فور إصابتهم بمرض «كوفيد-19». 

لم يتَّضح إلى الآن ما إذا كان ثمة اختلافٌ كبير في المخاطر بين المصابين بداء السكري من  النوع الأول والنوع الثاني ، غير أن البيانات تُشير إلى أن المرضى بكلا النوعين يتعرَّضون للمرض بطرق متماثلة. يقول جريجوري: "في الواقع، يتوقف الأمر على كيفية تحليل البيانات. وقد كانت هذه إحدى القوى المُحَرِّكة وراء بحثنا". ويردف: "ما وجدناه أن مرضى السُّكَّرِي من النوع الأول والنوع الثاني مُعَرَّضون لاحتمالية أكبر بمقدار ثلاثة أو أربعة أضعاف للإصابة بحالةٍ شديدة من مرض «كوفيد-19»، مقارنةً بالأشخاص غير المُصابين بداء السُّكَّرِي على الإطلاق".

وفي أثناء إجراء جريجوري وزملائه التَّقييم، أخذوا بعين الاعتبار أيضًا عوامل الخطورة الأخرى. يقول جريجوري: "إذا دخلت وحدة الرعاية المركزة في مدينةٍ بها كثير من حالات الإصابة بمرض «كوفيد-19»، فقد تظن أن أغلب المرضى الذين يعانون بشدّة جرّاء الإصابة بمرض «كوفيد-19» مُصابون بداء السُّكَّرِي من النوع الثاني. ليس هذا بسبب أن الأشخاص المصابين بالنوع الأول أقل عرضة للخطر، وإنما يرجع إلى قلة عددهم نسبيًا، ولأنهم في أغلب الأحيان ينتمون إلى شريحةٍ عُمْرية أصغر سنًا".

ميتفورمين: عقار قديم.. رؤى جديدة

تكشف دراسات جديدة أن مرضى السُّكَّرِي الذين يتناولون عقار «ميتفورمين» metformin -وهو خط العلاج الدَّوائي الأوَّل لعلاج داء السُّكَّرِي من النوع الثاني- يكون تطوُّر المرض لديهم أخف وطأةً عند إصابتهم بمرض «كوفيد-19». 

يقول عبد الله السلامة، من قسم طب الغدد الصماء والسُّكَّرِي والتَّغذية في المستشفى الجامعي بأميان في فرنسا، والذي أشرف على دراسة بخصوص عقار ميتفورمين نُشِرَت في دورية «ديابيتس ميتاب» Diabetes Metab: "استُخدِم عقار ميتفورمين في أوائل القرن العشرين لعلاج الإنفلونزا". ويوضِّح السلامة أن عقار «ميتفورمين» له بعض الخصائص المضادة للميكروبات، والمضادة للالتهابات، والمُثبِّطة للمناعة، والمضادة للتليُّف2. ويضيف: "كل هذه الأمور مُهِمة عند التعامل مع مرض «كوفيد-19» لأنه مرض ميكروبي تصاحبه عاصفة السيتوكين".

ورغم أن مستخدمي عقار «ميتفورمين» يكونون أفضل حالًا من غيرهم بعد الإصابة بالعدوى، لا يزال من السابق لأوانه استقراء ما هو أبعد من وجود ارتباطٍ بين استخدام عقار «ميتفورمين» والتخفيف من بعض أعراض مرض «كوفيد-19» الشديدة. ومن المستبعَد كذلك أن يكون لإعطاء عقار «ميتفورمين» للمرضى الذين لم يتناولوا العقار قبل دخول المستشفى أي فوائد، أو أن يؤدي إلى تحسُّنٍ ملحوظ.

يقول السلامة: "ما نعرفه أن عقار «ميتفورمين» مفيدٌ للمصابين بداء السُّكَّرِي في تخفيف معاناتهم الشديدة من مرض «كوفيد-19»، ولكن إذا أعطينا المريض عقار «ميتفورمين» في المرحلة الحادة من المرض، فهل سيكون مفيدًا؟ نحن بحاجة إلى إجراء دراسة منضبطة مُعشَّاة للإجابة عن هذا السؤال. فكل ما لدينا حتى الآن دراسات رصدية". ويضيف السلامة أنه لا توجد أدلةٌ تُشير إلى أن عقار «ميتفورمين» يُمكِن أن يقي من العدوى.

يحاول العلماء أيضًا تحديد ما إذا كانت ثمة صلة بين مرض «كوفيد-19» واضطرابات الجلوكوز الأيضية أم لا. فقد أنشأت مجموعة دولية من الباحثين في مرض السُّكَّرِي سجل «كوفيدياب» CoviDIAB، وهو سجلٌ عالمي للمرضى المُصابين بداء السُّكَّرِي المرتبط بمرض «كوفيد-19»، والذي سيسجِّل في مرحلةٍ لاحقة المرضى المُصابين مسبقاً بداء السُّكَّرِي و يعانون اضطرابًا أيضيًا حادًا شديداً. ومن خلال السجل، يخطط الباحثون لاستكشاف المدى والنمط الظاهري لداء السُّكَّرِي حديث الظهور لدراسة "نشوء داء السُّكَّرِي المرتبط بمرض «كوفيد-19» والوصول إلى أدلة بشأن الرعاية المناسبة للمرضى في أثناء مسار مرض «كوفيد-19» وبعده"، وفقًا لرسالة نُشِرَت في مجلة «نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين» New England Journal of Medicine3. 

ورغم جميع الأسئلة التي تدور عن العلاقة القوية بين ارتفاع نسب الجلوكوز في الدَّم ومرض «كوفيد-19»، يوضِّح جريجوري أن اللقاحات إحدى الأدوات التي تُفلح على ما يبدو في تقليل مخاطر العدوى على نحوٍ استباقي. ويقول: "على الرغم من الحقيقة القائلة بأن مرضى السُّكَّرِي أكثر عُرضة للإصابة بحالةٍ شديدة من المرض، فإن اللقاح فعَّال بالقدر نفسه لديهم".

References

  1.  Gregory J.M., et al. COVID-19 Severity Is Tripled in the Diabetes Community: A Prospective Analysis of the Pandemic's Impact in Type 1 and Type 2 Diabetes. Diabetes Care. 44(2):526-532 (2021) | article
  2. Lalau J.D., Al-Salameh A., et al. Metformin use is associated with a reduced risk of mortality in patients with diabetes hospitalised for COVID-19. Diabetes Metab. 10;47(5):101216. (2020)  | article
  3. Correspondence: New-Onset Diabetes in Covid-19, NEJM (2020) | article

أقرأ أيضا

نظرة على أخلاقيات مكافحة "كوفيد-19"

تتناول دراسة حديثة التحديات الأخلاقية التي تفرضها الجائحة على مقدّمي الرعاية الصحية والباحثين الطبيين في المملكة العربية السعودية.

 مغادرة المستشفى لا تعني انتهاء تأثير مرض "كوفيد-19"

المرضى الذين عانوا بشدة من مرض "كوفيد-19" أمامهم طريقٌ طويل للوصول إلى مرحلة التعافي التام من المرض بعد مغادرة المستشفى

أدلةٌ جينية من أجل مواجهة أفضل لفيروس «سارس-كوف-2»

التسلسلاتُ الجينية للبروتين الشوكي قد تُساعد في السيطرة على وباء فيروس كورونا المستجد.